بسم الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِكَ وكُن مِنَ السَاجِدِينْ واِعْبُد رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينْ .
اللهم إنا نستودعك أهل غزة وكل فلسطين وأهل السودان وسائر بلاد المسلمين ، اللهم
كن لهم عونا اللهم إنا لا نملك لهم إلا الدعاء فانصرهم وثبتهم ووحد صفوفهم يارب العالمين
الفصل السادس من رواية ❤♡♡صيّاد النـايـا * آل حـانَـا *♡♡❤ بقلم آية العربي
إن زارتك السعادة اليوم، وزارك الحزن غدًا؛ فاعلم أنك تسير على الطريق السليم للحياة
لا تبتهج حينما تزورك السعادة كل يوم، وانتبه لـ ألا يصطحبك الحزن دومًا
راجع نفسك باستمرار لترى أفعالك جيدًا
(بقلم آية العربي)
❈-❈-❈
انعزل في غرفته فقد قرر أخذ قسطًا من الراحة وعدم الذهاب اليوم إلى الشركة بعد نجاح ذلك المجلس وإنهاء أهم وأثقل قضية كادت أن تنهي حياته .
منذ خمس سنوات وهو يعاني ويواجه الموت كل لحظة ، ينتظر أي طلقة غدرٍ تستهدف قلبه أو رأسه .
خمس سنوات محاطًا بأسوارٍ بشرية بعدما كان طيرًا حرًا ، حُرم من ممارسة هوايته المفضلة بسبب الخوف والثأر .
أُتهم بالقتل وتبدلت وجوهًا كثيرةً من حوله وارتكب ذنبًا عظيمًا لم يقع فيه برغبته .
خرج من الحمام وتقدم يقف في منتصف غرفته ، يرتدي سروالًا وقميصًا قطنيا ، وخفًا يبعث الدفء في قدميه وكأنه لأول مرةٍ يشعر به ، ينظر أمامه بملامح شاردة ، واضعًا كفيه في جيبيه ، وخصلات شعره الغزيرة الرطبة تبلل رقبته ولا يبالي ، كل ما يشغله أنه على وشك التحرر .
ينظر لغرفته نظرة عامة حتى استقر عند سريره وتوقف يحدق به ، يتعجب من نفسه ويردد جملة والدته ( هل سيجلب أكثر النساء كرهًا له لتنام في أحضانه ؟ ) هل ما فعله يعد منطقيًا ؟؟
لف رأسه لليمين نحو غرفة ملابسه ليتحرك بخطوات ثابتة نحوها ، ثم مد يده يفتح خزنته المُشفرة ليستل منها الخنجر الخاص بفرحة .
تناوله والتفت يعود إلى الفراش ، يجلس على طرفه ويحدق به ويتلمسه بأصابعه ، مميزًا ، له يدًا خشبية عتيقة مزخرفة وثقيلة ، ملونة بلون الدمِ عن عمد ، تحتضن داخلها جزءه الحاد الذي صُنع من المعدن الأسود وشحذ طرفه باحترافية عالية ليقطع برحمة وسرعة ، يلف منتصفه قطعة أخرى من المعدن المنقوش لتساعد اليد في احتضان السكين حتى لا تفلتها.
ابتسم متعجبًا فكيف تستخدم هذا في تقطيع الرمان ويفترض أن تحتفظ به لمهمة عظيمة ، بنظرةِ تباهٍ وسخرية استنتج ؛ ربما تصطحبه معها دومًا بهدف الانتقام منه ، إذا هذا الخنجر خُصص لقتله .
اتسعت ابتسامته وشعر بالأهمية حتى لو كانت من عدوٍ ، ليردد مع نفسه قائلًا بتوعد :
- عايزة تجتليني بده يا بنت الحوامدية ؟ داني طلعت غالي جوي .
رفع رأسه يضحك ثم عاد يتنهد بقوة وهجمت على ذاكرته عينيها البرّاقة ، ونظرتها الحادة ليستطرد بشرود :
- بس عيونك أحدّ من خنچرك يا فرحة ، جتلوني يا رُمانة .
لف وجهه ينظر لوسادته ويحدثها كأنها تعاتبه :
- آخر حاچة كنت أتخيلها إن اچبلك أخت مؤمن إهنة چارك بعد الوحدة دي كِلاتها .
وضع الخنجر على الكومود ، ومد جسده على الفراش يضع رأسه علي وسادته ويدفن كفّاه أسفلها ، ابتسم وردد محذرًا :
- خدي بالك زين ، دي چاية كيف النار ، أوعاكي تغفّلك وتكتم نفسي بيكي ، داحنا عشرة بردك .
أخذ يقهقه وهو يتخيلها تجرب جميع الطرق لقتله ، مستمتعًا كأنها تلاعبه ، متقبلًا نارها التي لسعته بها ، كان يجب أن يحذر ويبتعد ، ولكن يبدو أن صقيع قلبه يتلهف للدفء .
لذا فها هو يضحك لانتهاء ثأره وبداية عذاب قلبه .
❈-❈-❈
لم يخرج معتز من مكتبه إلا بعدما لمح غضب ريم على محياها عبر الكاميرا ، أما جابر فقد كان مستمتعًا به كثيرًا ، لذا قرر معتز أن ينهض ويراه في الخارج ، أمامها ، ليريها وجهه الحقيقي ويذله كما يريد .
خرج يتطلع على ريم في تجاهل متعمد لوجوده ، وأردف بهدوء ظاهري :
- قوللهم يچهزوا العربية علشان طالع .
اتسعت عيناها ونطقت بنظرة لومٍ وهي تشير نحو جابر :
- مستر چابر مستنيك من بدري يا مستر معتز .
التفت معتز أخيرًا يحدجه بنظرة متعالية ثم استند على المكتب يميل بقدمه التي وضعها أمام الأخرى ونطق باستهانة :
- اه چابر ، معلش ماخدتش بالي ، كنت عايز إيه ؟ سامعك لحد ما يچهزوا العربية .
ابتسامة جابر الداخلية تنافت مع قناع الضيق الذي ارتداه وهو ينهض ويردف بنبرة منكسرة معبأة بالمكر :
- كيفك يا معتز ؟ تحب أچيلك وجت تاني ؟ هي آنسة ريم كلمتني وجالتلي اچي أجابلك .
اعتدل معتز يطالعه بتعجب ، فنبرة جابر الآن لا تعكس شخصيته التي يعلمها جيدًا ، ولكن أعماه الغرور بالفعل ونطق وهو يحرك يديه بعجالة وملل :
- أيوة ايوة قول بسرعة سامعك .
نظر جابر إلى ريم نظرة استعطافية ، والأخرى لم يرُق لها على الإطلاق هذه الطريقة المهينة فكادت أن تعترض ولكن معتز التفت لها واسترسل آمرًا :
- كلميهم ياريم يالا ، مستعجل .
أُجبرت أن تستل الهاتف وتنفذ أمره وهي تحمل على عاتقها هم جابر وحالته وما يشعر به حينما نطق بتجهم قبل أن يندفع ويرحل :
- لاء متشكر ، يظهر إني غلطت لما فكرت أمد يدي ليك بالخير جبل ما افتح شركتي ، عن اذنكو .
نظر إلى ريم نظرة أخيرة واندفع يغادر تحت أنظار معتز الغاضبة من مكره فقد كان يريد أن يريها وجهه الحقيقي ويطرده بنفسه ، ولكن جابر لم يترك له فرصة كهذه .
ليلتفت إلى ريم التي تطالعه بنظرة حادة ونطقت تتحكم في نسبة غضبها :
- اللي حضرتك عملته ده ماكنش يصح خالص ، هو چاي يمد إيده لينا بالخير ، كدة إنت بتعمل لنفسك عداوة چديدة .
غضب من تصديقها لوجه جابر البريء ونطق بحدة :
- إنتِ مقتنعة بالمسرحية اللي عملها دي ؟ ده واحد خبيث چاي وهدفه الأول والأخير يحاربني ، إنتِ ماتعرفيهوش ، أنا اللي فاهمه كويس جدًا .
لم تصدق حديثه ، فهي تصدق ما تراه حتى لو انتابتها بعض الشكوك ولكن في نهاية المطاف ترى أن معتز أخطأ بشكلٍ فج لا تتقبله ، حتى الأعداء يجب أن نعاملهم بطرقٍ دبلوماسية ذكية .
أردفت وهي تبتعد بنظراتها عنه :
- اللي تشوفه يا مستر معتز .
غضب فاندفع يغادر المكتب وتركها ترتد على المقعد وتفكر ، ليرغمها قلبها على الاتصال بجابر ، وبالفعل تناولت هاتفها وحاولت الاتصال به ولكنه بالطبع لم يجِبها ، من المؤكد يشعر بالضيق والغضب والإهانة .
أما هو فكان يقود سيارته ويبتسم بتوعد خاصةً حينما هاتفته لتوها ، سيأخذها من معتز في أقرب وقت ، ولن يكون جابر آل حانا إن لم يفعل ويحاربه بكل ما أوتي من خبث .
❈-❈-❈
عم الليل أرجاء البلدة ، وجاء السكون يحمل معه صخب الأفكار .
جلست القرفصاء على فراشها ، تدفن رأسها بين ساقيها وتبكي ، بابها موصود حتى لا يراها أحد وهي في هذه الحالة التي حرمتها على نفسها، ولكن ما يحدث أكثر من طاقتها لتتحمله ، لا أحد يشعر بها ، الحياة القاسية التي يعيشها الجميع هنا تصفعها دومًا دون رحمة حتى جعلتها أشد قسوةً منها .
طرقات على بابها تبعه محاولة فتح فاشلة ، لتسمع بعدها شقيقها أيوب ينادي بترقب :
- افتحي يا فرحة .
أسرعت تكفكف دموعها ونهضت تنتشل المناديل الورقية وتلقيها في السلة وتغلقها ، تحركت نحو المرآة لتزم شفتيها بضيق حينما رأت ملامحها وعيناها الباكية لذا تحركت تلتقط زجاجة المياه ، تأخذ منها حفنة وتمسح على وجهها ثم عادت تجففه بمحرمة ، واتجهت تفتح الباب وتقف بشموخٍ أمام شقيقها تتساءل :
- خير ؟
حدق بها ليرى احمرار عينيها وأنفها لذا تساءل بتعجب :
- إنتِ بتبكي ؟
خشت أن يسمعه أحد فسحبته إلى الداخل وأغلقت الباب تطالعه بحدة وتتساءل :
- چاي ليه دلوك يا أيوب ؟
قطب جبينه يستفسر :
- بتكلميني كدة ليه ؟ لتكوني مفكرة إني السبب ؟
نظرت بحرقة ونطقت بكره من بين أسنانها تلقي باللوم عليه :
- مش لو كنت صوبت طلجتك صُوح وجتلته كان زماني بضحك دلوك بدل القهر اللي واكل جلبي ده ؟
اشتعل غضبه مجددًا وقبض على رسغها وتحرك بها نحو الأريكة يجلسان عليها ونطق بتأكيد :
- اللي أني فشلت فيه إنتِ تكمليه يا بنت أبوي ، عمار حيتجتل إكدة ولا إكدة .
هزت رأسها بألمٍ ونطقت بنبرة حزينة ترتدي رداء القوة :
- صُوح ، إكدة ولا أكدة حيتجتل ، وعلى يدي ، وبعدها حروح أسلم نفسي .
جحظ شقيقها يردد مستنكرًا :
- تسلمي نفسك كيف ؟
ابتسمت بتهكم تجيبه بواقعية بعد تفكير عميق :
- مهو لو ماسلمتش نفسي عيلته حتجتلني ، ولو جيت إهنة چدك محايجدرش يحميني كيف ما أهله حموه ، چدك ضحى بيا خلاص ، وأني وافجت .
غضب حينما وضعت أمامه السيناريو الأشد واقعية لذا زفر يفكر بشرود ، لن يقبل أن تقتل شقيقته أو تسجن بسبب ذلك القاتل .
طال صمتهما ليقطعه هو قائلًا :
- وإنتِ ليه تعرفيهم إنك اللي جتلتيه ؟
نظرت له باستنكار وتعجب ليستطرد بخطة خبيثة جالت على عقله :
- ماتعمليش إكده أول ما تدخلي دارهم ، خليهم يصدجوا إننا جبلنا بالصُلح ، وبعدها خلصي عليه من غير ماحد يحس ، وأني حهربك من إهنه .
هزت رأسها بجنون تتساءل بغضب :
- كيف ماجتلوش أول مادخل دارهم ؟ عايزني اشاركه الهوا اللي بيتنفسه ؟ اتحملها كيف دي ياخوي .
صاح بها وهو يلتفت لها :
- لازما تتحمليه ، ولازما نهدي اللعب على الآخر ، خمس سنين ونارنا جايدة وماحدش بيتحرج بيها الا أنا وانتِ ، خلينا نچرب نخمدها ونحط خطة من غير ما حد يحس بينا .
وجدها تطالعه بتخبط فاستطرد بشرٍ :
- مابجولكيش تتعاملي معاه على إنه چوزك ، بس لازمًا نمثل إننا استسلمنا يا فرحة ، هو ده الحل اللي هينچينا ويخلينا نعمل اللي احنا رايدينه .
شردت تفكر فتابع مؤكدًا :
- إني مش حجبل إنهم يجتلوكي علشان واحد رخيص زي دي ، ولا حتى تتسچني يوم واحد ، بس لازمًا نهدى يا فرحة ونفكر صوح المرة دي .
دومًا هي من تحفزه ، ولكن هذه المرة هو من يفعل ، يخبرها أن تتحمل ، وأن تتقبل ، وأن تستسلم أو تدعي ذلك ، كيف ستتحمل رؤيته أمامها ؟ وتتقبل أن تظل معه في غرفة واحدة ؟ وتستسلم للزواج منه ؟
هل ستنجح في ادعاء ذلك ؟ أم أن غضبها سينقض على من حولها كالعادة...
❈-❈-❈
تسحبت عائدة إلى منزلها في الليل الساكن ، دلفت تغلق الباب بحذر كي لا يستيقظ ولديها ، ولكن لسوء حظها لمحها ابنها راضي الذي لم ينم بل يجلس في ركنٍ ما يدخن لفافة تبغه المحشوة ويفكر في أمره !!
تعجب حينما وجد والدته تتحرك نحو غرفتها ولم تلمحه فناداها بخفوت وتعجب قائلًا وهو ينهض ويتجه نحوها :
- أما ؟ إنتِ راچعة منين دلوك ؟
انتفضت بفزع ونظرت له بحدة ثم أبعدت عباءتها عن صدرها وبصقت داخله لتعود تطالعه وتردف بتوبيخ خافت :
- خلعتني يا راضي ، إنت جاعد اهنة بتعمل إيه دلوك !
حاولت أن تراوغ ولكنه لم يفلتها بل تابع بتحقيق :
- حلّك مني دلوك وفهميني كنتِ فين ولا اصحيلك أبويا !
تكتفت وطالعته بلا مبالاة ، وكيف تخشى تهديده وزوجها يعلم أين تذهب وماذا تفعلِ ، لذا مدت يدها تقبض على معصمه وسحبته معها نحو ذلك الركن وجلسا لتتحدث وهي تعرض عليه ورقة مطبقة عدة طبقات بشكلٍ معين ودقيق حتى يصعب فتحها أو قراءة ما كُتب بها ، وزجاجة صغيرة بحجم العُقلة تشبه زجاجة قطرات العين .
مد يده وكاد أن ينتشلهما بتعجب وجبينه مقطب ولكنها أسرعت تقبض عليهما وتضمهما لها قائلة وهي تبتسم بشرٍ وتميل عليه :
- بعد يدك ، دول اللي حيجبولك نوارة لحد عنديك اهنه ، عرفت دلوك كنت بعمل إيه ؟
- تــــــــــاني يا اما ؟ رچعتي لسكة الأعمال دي تاني ؟ ربنا سترها في الأول والحجيجة ادفنت ، تفتحي على نفسك أبواب الچحــيم ليه ؟
احتدت ملامحها ونظراتها وغلظت نبرتها وهي تجيبه بتوبيخ وشر مطلق :
- وأني إيه اللي رميني ع المُر ده يا ولد بطني ؟ مهو لاجلك انت وخيتك ، أني ليا مين غيركم ؟ ولا حتكون مرتاح وهي بتروح من يدك لسيد ولد خالك .
لفت وجهها تنظر أمامها واستطردت بغموض مخيف :
- ولا يتجدم لها يونس ولد منصورة بعد الصُلح ده ووجتها اخرچ من المولد بلا حمص ، بس وحيات ده ما حيحصل .
قالتها وهي تقبض على خصلة من جانب شعرها فشرد راضي يفكر في ابنة خاله التي يشتهيها كثيرًا ، بل أنه غضب حينما ذكرت عدوه يونس ابن خالته لذا تأهب ونطق وهو يطالعها :
- يتجدم لها كيف ؟ داني اجطع خبره وأني على أخري منيه ، محدش غيري حياخد نوارة والا عليا وعلى أعدائي .
ابتسمت ابتسامة شيطانية ونطقت متباهية :
- يبجى تسيبني أشوف شغلي ومالكش صالح بيهم ، أني حخليها ماتجبلش بأي راچل غيرك ، وعبد الوهاب هيچوزهالك غصب عنيه وعن مرته ، وبكرة تجول أمي جالت .
قالتها بابتسامة منتصرة ولم ينطق ضميرها ببنت شفة ، بل أنها دفنته عند عتبة أول دجال ذهبت إليه ، والآن ترى أنها معها كل الحق فيما تفعله .
أما راضي فبرغم أنه لا يحب طريقتها في الحصول على ما تريد بالسحر والأعمال السفلية ، ولكنه بالفعل رأى قبل سنوات كيف نجحت في إثارة فتنة عظيمة وقعت بين العائلتين ، لذا ارتاح على مقعده وفرد ظهره يفكر ، هل بالفعل ستنجح هذه المرة وتأتي بنوارة له ؟ سيرى....
❈-❈-❈
بعد يومين .
خرج مهران من شركته في طريقه إلى تيا التي تنتظره ليذهبا إلى عائلتها .
استقل سيارته وغادر في طريقه إليها ، ليتوقف بعد دقائق حينما لمحها تشير له عند قارعة الطريق .
ابتسمت تلوح له كأنها معتادةً عليه ثم أسرعت تلتفت وتفتح باب السيارة ، تستقلها وتجاوره قائلة :
- أزيك ، عامل إيه ؟
طالعها بهدوء ، ترتدي ملابس عصرية ربما لا تليق بالمكان ولكنه يدرك أنها من عالمٍ آخر لذا أومأ يجيبها برتابة :
- الحمد لله بخير ، چاهزة للمجابلة دي ؟
تلاشت ابتسامتها ونطقت بعيون بريئة :
- متوترة شوية ، أو كتير ، بس مبسوطة جدًا إنك وافقت تيجي معايا .
أعطته شعورًا بالتميز الذي توغل إلى عقله الباطن خلسةً ، لذا ابتسم ونطق قبل أن يستأنف قيادته :
- ماتجلجيش ، أكيد هما حيفرحوا جوي لما يعرفوا ان بنت ابنهم رچعالهم .
عبست تمامًا تتنفس بعمق ونطقت بشكٍ :
- مش متفائلة أوي ، لإنهم كانوا رافضين تمامًا جواز بابي ومامي ، أصل مامي هي الزوجة التانية .
نطقتها بتوتر فتعجب ولكنه أجابها بنبرة اعتيادية :
- طب وفيها إيه ؟ أبوكي ماعملش حاچة حرام أو عيب ، وبعدين إنتِ في الأول وفي الأخر لحمهم .
هزت كتفيها وورد على عقلها كيف تخلى والدها عن زوجته الأولى وأولاده وهاجر مع والدتها ومعها إلى أمريكا ، لن تخبره بذلك حتى تحافظ على صورة والدها ولكنها تخشى استقبال عائلتها لها ، خاصةً زوجة أبيها التي من المؤكد ستأخذها بذنبِ والديها .
أردفت بشرود وهي تعاود رسم ابتسامة مصطنعة :
- اتمنى .
أومأ بصمت وأكمل طريقه دون النظر إليها ، وهي كانت تطرح بعض الأسئلة العابرة عليه فيجيب مختصرًا وعينيه على الطريق حتى جعلها تلتزم الصمت..
❈-❈-❈
بعد قليل
وصل إلى منزل عائلة بدران وترجل وتبعته تنظر إلى البيت الكبير بتوترٍ وحماسٍ في آن .
المنزل يبدو قاسيًا كحال سكانه ، وأشعة الشمس متعامدةً عليه لتؤكد هويته وصلابته وسمار أهله ، لذا تحركت تجاور مهران وعلى حين غفلة مدت يدها تحتضن يده لتطمئن تحت أنظاره الرافضة ، ولكنها تشبثت به لذا أبدى مرونةً وتغافلًا و تقدم معها يطرق باب العائلة وينتظر ردهم .
مرت ثوانٍ وفتحت سيدة خمسينية ترتدي جلبابًا أسودًا وحجابًا مماثلًا ، ذات تقاسيم وجهٍ حادة ، وعينان غلفتهما القسوة والحزن .
طالعت على مهران بثقب ثم لفت نظرها نحو تيا لتحتد نظرتها كأنها علمت هويتها لذا نطقت بجمود :
- اتفضلوا ؟ عايزين مين ؟
نطق مهران بدلًا عنها بترقب :
- ممكن نجابل الحاچ عابد ؟
لم تزِح عينيها عن تيا بل أجابته وهي تحدجها :
- الحاچ عابد مايبجدرش يجابل حد ، بجاله سنتين ماعيتحركش من فرشته ، وولده الحاچ عبد الچبار مش إهنه دلوك ، إنتِ مين ؟
نطقت الأخيرة قاصدة بها تيا التي تحمحمت تزدرد ريقها وتجيب مباشرةً بجرأة لحظية :
- أنا تيا بدران ، حفيدتكم .
اشتعلت نظرة السيدة بالغضب وصاحت موبخة بنبرة قاسية :
- عيلة بدران ملهاش حفايد غريبة ، ارچعي من مطرح ما چيتي وماتفتحيش على نفسك أبواب الشر يابنت چوليا .
ارتعبت وقبضت بقوة على يد مهران الذي أردف في محاولة منه لتهدئة الأمور :
- وحدي الله يا حاچة ، وخلينا نتحدت مع الرجالة ، دي حفيدتكم ولحمكم وراچعة تعيش وسطيكم بعد ما أهلها ماتوا ، مايصحش عاد الحديت ده .
هاجت السيدة وصاحت تلوح بيدها بغضب :
- بجولك إيه يا چدع إنت ، أنا مانجصاش فزلكة وتنظير ، خد البت دي وادلى من إهنة بلا لحم بلا هم ، إحنا جفلنا الباب ده من زمان في وش أبوها ، ودلوك هيتجفل في وشها .
قالتها ودلفت تصفع الباب في تناقض تام لكرم أهل النجع ، لتتركهما واقفان متجمدان لثوانٍ قبل أن يلتفت مهران إليها ليجدها على وشك البكاء وهي تطالعه وتردف بنبرة مستنجدة :
- اعمل إيه ؟
وجد نفسه مجبرًا على تحمل مسؤوليتها لذا نطق بنبرة لينة :
- روجي وهنلاجي حل أكيد ، حنتواصل مع عمك عبد الچبار وأكيد مهواش حيجبل بحديت الست دي .
تملكها الضعف ونطقت بانكسار يرسم الوداعة على ملامحها :
- أنا ماعرفش حد هنا غيرك ، أنا خايفة أوي .
نكست رأسها تسترسل بخجلٍ وتردد :
- وللأسف المبلغ اللي معايا مش هيكفيني أسبوع ، أعمل إيه دلوقتي ؟
لم يرحب بما تمر به من ظروفٍ قاسية ، لذا نطق وهو يحثها على التحرك :
- تعالي بس نمشي من إهنه دلوك وماتشليش هم حاچة .
بالفعل تحركت تستقل معه السيارة ليزفر بقوة وينطلق متسائلًا باهتمام :
- إنتي جاعدة فين دلوك ؟
هزت رأسها سلبًا تصرح بعيون لامعة :
- في فندق ، كنت حاسة إنهم هيرفضوا يقابلوني ، أكيد الست دي هي مرات بابا الأولانية ، هي بتكرهني من غير ماتعرفني ، واضح جدًا من طريقتها .
حاول تهدأتها فنطق يفكر :
- انسيها خالص دلوك ، خلينا في المهم ، أني حتواصل مع عمك واتحدت وياه وحلاجي حل ، بس جوليلي عنوان الفندق دلوك وروحي ارتاحي وماتفكريش كتير ، وماتحمليش هم المال .
لم تعترض بل تقبلت على الفور تجيبه بامتنان :
- متشكرة جدًا ، أنا بجد مش عارفة لو ماكنتش قابلتك كنت هعمل إيه .
شرد يفكر ، هل بالفعل أوقعه القدر في طريقها ليساعدها ؟ إنها وحيدة دون عائلة ، صغيرة ، يتيمة ، وغريبة ، لذا فوجب عليه مساعدتها ، وهذا ما سيفعله ...
❈-❈-❈
في تلك الأثناء
كانت تقف نهاد في المطبخ تساعد الخادمات كالعادة .
انتهت حسناء من جلي الأطباق ليرن هاتفها مجددًا لذا أسرعت تجفف يدها وتلتقطه تغلق رنينه قائلة وهي تتلفت :
- أباي عليك يا جمال ، خالتي رتيبة هتجطع خبري بسببك .
نظرت إلى نهاد واستطردت بترجٍ تستعطفها :
- بالله عليكي يا ست نهاد غطي عليا ، حروح أرد عليه وراچعة طوالي .
أسرعت تركض نحو الخارج قبل أن تعود رتيبة من ترتيبها للغرف ، ووقفت نهاد تطالع أثرها بتعجب ، فها هي حسناء تنشغل بحبيبها الذي تمنته بعدما كان لا يعيرها ذرة اهتمامٍ ، كانت ترى بنفسها حزنها والآن ترى لهفتها وسعادتها ولمعة عينيها حينما يهاتفها جمال .
تمنت لو تبدل حال زوجها وأصبح يراها ويحبها كما حدث مع حسناء ، تنفست بعمقٍ والتفتت لتغسل يدها لتلاحظ خاتم حسناء متروكًا جانبًا بعدما غفلت عنه بسبب غسيلها للصحون .
مدت يدها تلتقطه وتملس عليه ، هذا هو الخاتم نفسه الذي تحدثت عنه رتيبة ، أيعقل أن يكون هذا بالفعل سبب سعادة حسناء ؟
شيئًا ما داخلها حثها على ارتدائه لتدخله في أصبعها بالفعل وترفع كفها تطالعه بشرود وتفكر ، ماذا إن كان ما يقال صحيحًا ؟؟؟
شردت في حجَره الأزرق وابتسمت لتنتبه لعودة حسناء تبحث عن الخاتم وحينما لمحته في يد نهاد شهقت تردف بضيق :
- إنتِ لبستيه ليه يا ست نهاد ؟
أسرعت نهاد تخلعه بتوترٍ وتناولها إياه قائلة :
- خدي أهو ، أني لجيتك نسياه إهنة جولت أجربه .
زفرت حسناء بتهكم ونطقت بعبوس وقناعة :
- أصل الشيخ اللي عملهولي جال لو حد تاني لبسه غيري حيجل مفعوله ، وساعات التعويذة اللي جوة الحچر بتخدم اللي لبسه چديد ، ربنا يستر بجي .
قالتها وهى تنفضه بيدها وتمسحه في جلبابها ، كأنها بذلك تزيل أثر نهاد عنه ثم قامت بارتدائه وعادت تستأنف عملها تحت أنظار نهاد المتعجبة من حديثها ...
سمعت طرقات على الباب فزفرت تنفض رأسها من هذه التراهات وتحركت لتفتح ، لتتفاجأ بشقيقتها ولاء تبتسم لها وتعانقها بشكلٍ مفاجيء قائلة :
- أزيك يا نهاد ؟ اتوحشتك جوي ؟
بادلتها بتعجبٍ فهذه تعتبر المرة الأولى التي تزورها فيها شقيقتها وتعبر عن اشتياقها لها هكذا ، لذا نطقت بنبرة مستنكرة وهي تبتعد عنها :
- معجول ؟ اتوحشتيني صوح ؟
بالطبع لم يحدث ، بل جاءت لترى عمار وتحججت بها ، فقد حلت لعنة الثأر وعليها أن تسعى لأهدافها حتى بعدما علمت بالزواج المرتقب بين عمار وفرحة .
أفسحت لها المجال لتدخل وهي تجيبها بتأكيد مخادع :
- أيوة صُوح يا بنت أبوي ، زهجت من عمايل أخواتك جولت اچي أجعد معاكي شوية ونتحدت .
لم تقتنع نهاد بحديثها ، وربما استشفت سبب مجيئها ، ولكنها تغافلت تحاول إقناع نفسها بأنها بالفعل اشتاقت لها ، هل يا ترى بدأ مفعول الخاتم ؟
تحركت معها ونطقت بهدوء :
- نورتي يا ولاء ، اجعدي .
جلستا سويًا والتفتت أعين ولاء تجوب المكان ثم عادت إليها تتساءل :
- أومال مرت عمك وبنته فين ؟
أجابتها نهاد بتريث :
- مرت عمي طلعت مشوار ، ونوارة في أوضتها ، طمنيني عنك إنتِ عاملة إيه ؟
استرسلت بترقب حزين :
- واخواتك ؟
لوحت ولاء بيدها تجيبها بنزق وتهكم :
- ماتچبليش سيرتهم ، دول خنجوني ، نفدتي إنتِ بچلدك وسبتيني وسطيهم ، مطلعين عيني ، لولا البت رانيا هي اللي بتهون عليا هبابة .
أسرعت تنهض من مقعدها تتلتصق بها متسائلة بخفوت :
- عمار إهنة .
التفتت نهاد تحدجها بعتاب قائلة :
- أيوة أيوة ، جولي بجى إنك چاية علشان عمار .
عبست ملامح ولاء ونطقت بحزنٍ مخادع :
- چاية علشانه كيف يا نهاد ! ماني عرفت إنه حيتجوز بنت الحوامدية خلاص ، يعني يوم ما افرح بالصُلح ونهاية التار ألاجيه حيتجوز غيري .
نجحت في استعطافها فربتت على كفها تجيبها بخفوت :
- معلش يا ولاء ، مالكيش نصيب فيه...
أومأت ولاء بشرود لتستطرد نهاد بترقب :
- طب إيه رأيك في چابر ؟
هزت ولاء رأسها سريعًا مستنكرة تردف :
- لااااا ، ده نسخة تانية من أبوكي ، أني ناجصة ؟
ابتسمت نهاد ثم نهضت تردف بفرحة ارتبطت بوجود شقيقتها :
- طب استنيني ، حروح أجبلك عصير وحلويات ورجعالك علطول .
كادت أن تتحرك ولكن منعتها ولاء وسحبتها لتجلس مجددًا فتساءلت بترقب :
- سيبك من الوكل دلوك ، جوليلي بس هو إهنة ؟ نفسي أشوفه جوي .
حزنت لأجلها ونطقت بأسف :
- لاء مش اهنة ، راح ع الشركة مع مهران ، بس زمانهم على وصول ، خليكي جاعدة معايا شوية لحد ما يرچعوا .
أومأت تبتسم ونطقت وهي تحثها على النهوض مجددًا :
- طب يالا جومي هاتي العصير والحلويات .
ابتسمت نهاد ونهضت بالفعل تتحرك نحو المطبخ لتحضر لها الضيافة بسعادة مؤقتة ظهرت مع ظهورها ، لتتساءل ،هل بالفعل اشتاقت لها ؟
أحبطتها أفكارها بأنها تتوهم ، لقد أتت ولاء بعد هذا الغياب لترى فقط عمار الذي حلت عنه لعنة الثأر ، ولكنها لن تحزن ، ستفرح بوجودها مهما كان السبب ..
❈-❈-❈
تقف في المطبخ تجهز الغداء مع زوجة عمها والخادمة ..
لمحت حركة غير اعتيادية في الخارج من خلال النافذة المطلة على الحديقة ، وفتحت بوابة القصر على مصراعيها لتدخل شاحنة صغيرة محملة بخيرات تم إرسالها من عمار آل حانا .
لمحت جدها يخرج ليستقبل الرجال ، ويجاوره عمها حسان ، لذا تأهبت ووقفت تتكتف وترى بنظرة ثاقبة ما يحدث حيث ترجل السائق يقف أمام الجد وينحني يقبل يده احترامًا ثم اعتدل ينطق وهو يشير نحو الشاحنة :
- الأستاذ عمار باعت الحاچات دي يا حاچ زيدان ، وبيجولك هدية بسيطة ياريت تجبلها .
برغم انزعاج زيدان من فعلته ، إلا أنه لا يمكنه رفضها خاصةً بعد الصلح لذا أشار له يردف بقبول :
- نزلوها يا ولدي، هدية مجبولة .
أومأ السائق وأسرع يشير للرجلين اللذان يقفان في صندوق الشاحنة لذا قفزا وبدأوا ينقلون الأغراض إلى الداخل .
كانت عبارة عن صناديق فواكة لا تُزرع لديهم ، وعبوات من زيت الزيتون الأصلي الفاخر ، وعددًا من علب الشوكولاتا الفاخرة والحلويات الشرقية المتنوعة ، وحقيبتان كبيرتان مغلفتان بأشرطة الساتان اللامعة ، تلفتان الأنظار من حولهما .
انتهى الرجلان من نقل الأغراض ولكنهما تمسكا بالحقيبتين ليتحدث السائق بترقب :
- الشنطتين دول مبعوتين للآنسة فرحة يا چدي .
سمعتهم فاشتعلت نيرانها أكثر وأكثر وكادت أن تتحرك نحوهم بصبرٍ نافذٍ وتحرق الأخضر واليابس ، ولكنها عادت تتذكر كلمات شقيقها ، فالتزمت الصمت المميت ، ووقفت تنظر لهما وهما يدخلان القصر حاملان الحقيبتين ومتجهان نحو الأعلى ليتركانهما أمام غرفتها كما أمرهما الجد .
كانت تلاحظها منصورة وتشعر بها ، وودت لو تذهب وتحتويها ولكنها توقن جيدًا أنها لن تتقبل ذلك لذا تنفست بعمق وتابعت عملها تاركةً إياها تفعل ما تريد .
غادر الرجال بعد ذلك ليدخل الجد مع ابنه حسان الذي أردف بشموخ :
- لازما نردها يا ابوي .
أومأ زيدان وتحرك يجلس على مقعده قائلًا :
- حنردها يا حسان وحنرد أحسن منيها كمان .
خرجت فرحة تطالعه ليكمل حديثه بمغزى مصوبًا نظراته عليها :
- حياخدوا بتنا الغالية ، فيه أحسن من إكدة هدية .
قالها لربما لانت تجاهه بعدما حدث مؤخرًا ، ولكنها لم تلِن بل اندفعت تصعد الدرج وتتجه نحو غرفتها لتجد الحقيبتين تعيقانها عن الدخول .
توقفت تطالعهما بحقدٍ اختلط بالفضول لما بداخلمها ، لذا فكت ذراعيها المتكتفتين وحاولت حمل أحداهما لتجدها ثقيلة ولكنها تحدتها ودفعتها باتجاه غرفتها ثم خرجت تسحب الأخرى لتغلق الباب بعد ذلك وتقف تطالعهما كأنها تراه أمامها وحان وقت الانتقام .
انحنت تنزع الساتان وتهدر أنفاسها بعنفٍ حتى فعلت بقسوة ومزقته ، ثم اعتدلت ترطم الحقيبة هذه تارة والأخرى تارةً أخرى بغلٍ وصرخة مكتومة وبكلتا قدميها .
لو كانت الحقيبة بشرية لصرخت مستنجدة تطالب بالخلاص من يدها وتندم على مجيئها بعدما امتلأت بالكدمات ، ولكن من حسن حظها أنهما جماد .
ظلت تركل الحقيبتين واستعانت بيديها أيضًا حتى فتحتهما وتبعثرت محتوياتهما أمامها.
هدايا كثيرة ومتنوعة
جلابيب بيتية ومنامات حريرية وقفطانات مطرزة ، ساعات واكسسوارات وأحذية وطوق للشعر ، حتى أنه لم ينسَ الملابس الداخلية والعطور الفواحة والزيوت العطرية .
تعبت فجلست أرضًا تنظر للأغراض المبعثرة من حولها وتفكر ، هل لو أضرمت النيران فيها الآن ستهدأ ؟ هل سترتاح إن فعلت ؟ أم تشعلهم وتلقي بنفسها داخلهم لترتاح ؟
انتصر عليها ، وهذه الأغراض هي خير دليل على ذلك ، بعثها ليثبت لها أنها سقطت في بئره المظلم .
ولكن هو لم يعرفها بعد ، ليست هي التي تُشترى بهذه الأغراض ، هناك دمٌ جمعهما ولن ترضى بغيره مهما حدث .
مدت يدها تلتقط إحدى القطع بغلٍ ، كان قميصًا حريريًا بتفصيلة مميزة ، ويبدو أنه يتناسب مع جسدها ، شردت فيه لثوانٍ قبل أن تسقط دموعها كأنها استدعتها استنجادًا بما تعيشه الآن فجلست تبكي وتستسلم وتظهر ضعفها بين هذه الأغراض ...
❈-❈-❈
دلفا الفندق سويًا ، كانت تتصرف بمرحٍ وتناست ما حدث قبل قليل ، تطالعه وهو يتقدم من موظف الفندق ويخرج بطاقته الائتمانية قائلًا :
- مساء الخير ، تجدر تسحب من إهنه حساب أنسة تيا لأسبوع كمان .
أومأ الموظف برغم تعجبه من الأمر ولكنه التقط البطاقة يمتثل لكلماته فالتفتت تيا له تطالعه بنظرة لامعة وتردف :
- كدة كتير جدًا ، كان كفاية يومين بس ، وأول ما اقابل عمي هبعتلك المبلغ فورًا .
أبدى مرونة وهو يبتسم ويجيبها بهدوء وهو يخرج محفظته من جيب جاكيته :
- ياستي سيبك دلوك ، وخلي دول معاكي بردك .
قالها وهو يمد لها يده ببعض العملات الورقية فشعرت بالحرج ورفضت بتصميم :
- لاء طبعا كفاية الفندق ، متشكرة جدًا .
صمم بدوره ونطق وهو يؤكد :
- خديهم دلوك وحنتحاسب بعدين ، ويالا اطلعي ارتاحي وفي اجرب وجت هكلمك اجولك عملت إيه مع عمك ، وبردك لو احتچتي أي حاچة كلميني .
كسر تصميمها وبالفعل مدت يدها تلتقطهم منه بحرجٍ وأومأت تطيعه ثم رفعت نظرها تحدق به قائلة باستعطاف :
- تفتكر ممكن يرفض يقابلني زي الست اللي قابلناها ؟ يعني هما أصلًا وصلهم خبر موت بابا وماحدش سأل ، أنا بس اللي كان نفسي أعيش وسطهم ، بس يظهر إني هرجع تاني على أمريكا .
لا يحب هذه النبرة المنكسرة لذا تنفس بعمق ونظر للموظف وهو يناوله البطاقة فالتقطها منه لتستطرد سريعًا ضاحكة بمرح :
- بس على فكرة أنا عندي حلول كتير ، ممكن أجرب اشتغل هنا جنبهم ، يعني مش هيأس ، هفضل متفاءلة جداً .
ابتسم لها ونظر لساعته فتحمحمت بحرجٍ تطالعه وهو يردف :
- أني لازمًا امشي دلوك .
أومأت تجيبه ملوحة :
- تمام ، باي باي .
أومأ وودعها والتفت يغادر تحت أنظارها الثاقبة عليه قبل أن يستقل سيارته ويغادر ، لتلتفت بعدها تنظر للموظف الذي أسرع يحيد أنظاره عنها لذا عادت تنظر للأموال في يدها وتبتسم وهي تلتفت نحو المصعد لتصعد غرفتها وتفكر فيما هي فاعلة .
❈-❈-❈
غادرت ولاء بتأفأف بعدما هاتفها والدها يعنفها بسبب تأخيرها ، لم تستطع رؤية عمار كما كانت تتمنى ، فالأخير لم يعُد بعد .
بينما جلست نهاد تلاعب صغيرها وتدلـله ويضحك لدلالها ، رفعت رأسها نحو باب القصر حينما اقتحمته عمتها نجوى ودلفت تردف باعتياد فج :
- سلام عليكم ، جاعدة إكدة ليه يا بت اخوي ؟ أومال أهل الجصر فين ؟ عبد الوهاب فين ؟ كنت چاية اتحدت وياه .
قالتها وهي تتجه نحوها وتجاورها وتنظر بثقب نحو الصغير الذي يبتسم باستمتاع ، لتتحمحم نهاد وتتلاشى ابتسامتها قائلة بهدوء يخفي عدم تقلبها لها :
- عمي راح يحل جضية أولاد الدهشوري ، بعتوله علشان چدهم مابيتحركش من مكانه ، بس زمانه على وصول .
أومأت ثم نظرت حولها واسترسلت بترقب :
- وصابحة فين ؟ راحت وياه !
نطقتها ساخرة لتجيبها نهاد بضيق يصاحبها كلما رأتها :
- لاء مرت عمي نزلت مشوار وزمانها على وصول هي كمان .
التحفظ الذي بدا في حديثها لا يروق لنجوى ، فهي تريد أن تعلم أدق التفاصيل ، ولكنها تدرك أن نهاد لن تخبرها لذا زفرت بضيق ونطقت :
- خلاص ، لما اجوم أشوف نوارة لحد ما ييجوا .
نهضت تتحرك نحو غرفة نوارة لتتنفس نهاد الصعداء فهي دومًا تهب كرياحٍ عاصفة .
اتجهت الأخرى بالفعل نحو الغرفة وطرقت الباب ثم دلفت تظهر ابتسامة مزيفة حينما وقعت عينيها على نوارة التي تتربع على الفراش وتتابع محاضراتها عبر الحاسوب ، لتقول وهي تتجه نحوها :
- جلب عمتها يا ناس ، بتعملي إيه يا نوارة ؟
ابتسمت نوارة بتكلف وأغلقت حاسوبها ، هي تحب عمتها ولا تحب طريقتها الفظة ، لذا لفت نحوها تجيب بهدوء :
- كنت بذاكر يا عمتي ، عاملة إيه ؟
ارتاحت نجوى في جلستها ومدت يدها تربت على ساقها قائلة بمكرٍ يخفي شرها :
- أني زينة يا جلب عمتك من چوة ، تعرفي إني مابحبش حد في الجصر ده جدك ، علشان إكدة كان نفسي اچوزك راضي ولدي ، لساتك بردك يابتي مش موافجة ؟
سألتها بترقب خبيث لتشعر نوارة بالحرج ولكنها حاولت التملص لذا نطقت :
- أني مابفكرش في الچواز دلوك يا عمة ، أني نفسي أخلص دراستي واشتغل مع مهران وعمار في الشركة ، وبعدين أني بعتبر راضي واحد من أخواتي ، وأني وانتِ جريبين من بعض أهو ومش النسب هو اللي هيجرِبنا .
تبدلت نظرة نجوى ولكنها حاولت إخفاء الشر المتمركز في مقلتيها ونطقت وهي تبتسم ابتسامة صفراء :
- ومالو يابتي ، دراستك أهم دلوك ، ربنا يحققلك ما تتمني .
شعرت حينها بصداعٍ مفاجئ يداهم رأسها فرفعت يدها تدلك جبينها بملامح منزعجة لتتساءل نجوى بترقب :
- إيه اللي حُصل ؟
نطقت نوارة وهي مغمضة تصارع ذلك الصداع اللعين :
- راسي يا عمة ، بيچيلي صداع فچاة إكده ، بحس إني نفوخي هيتچسم نصين .
أسرعت العمة تربت عدة مرات على ساقها وتردف بخبثٍ هاديء :
- طب مددي إهنة على رچلي وأني حيضيعهولك دلوك .
لم تفعل نوارة بسبب الطرقات الحادة التي هاجمتها لذا مدت نجوى يدها تسحبها إليها وتمددها عنوةً لتضع رأسها على ساقها ، لتقوم برفع كفها وتملسه على خصلاتها ذهابًا وإيابًا وتبدأ في تمتمة بعض الكلمات التي لم تفسرها نوارة ولكنها وجدت نفسها تسير نحو نفقٍ مظلم وتغيب عن عالمها غافيةً ولم تشعر بشيءٍ بعدها .
❈-❈-❈
في طريق العودة إلى المنزل ، شغلت عقله بحالتها البائسة، بنظراتها ، باحتياجها للأمان ، بوحدتها ، بيتمها ، بصغر سنها .
ربما لأنه اعتاد تنفيذ المطلوب دومًا ، وربما لأن حياته باهتة ومملة ، وربما لأنها أعطته شعورًا بالمسؤولية ليقرر عنها .
لا يعلم ولكن ما يعلمه أنه يحب هذه الحالة التي وضعته بها اليوم .
توقف بسيارته داخل القصر وترجل ينظر له ولأول مرة يشعر أن باستطاعته تقبل الأمر الواقع الذي وضع فيه ، حالته المزاجية تؤهله لذلك .
تقدم وصعد الدرجات ثم دلف حيث كان الباب مفتوحًا ليجد نهاد تحمل صغيرها وتهدهده بعدما بكى بشكلٍ مفاجئ .
التفتت لتجده أمامها وعلى غير عادةٍ يبتسم ويتجه نحوها مستفسرًا وهو يأخذ الصغير منها ويقبله :
- ماله يا نهاد بيبكي ليه ؟
تجمدت لثوانٍ من نبرته وابتسامته لها ولم تجِبه إلا حينما نظر لها بتعجب يكرر :
- مالك بلمتي ليه ؟
ازدردت ريقها وطرأ على عقلها الخاتم وتأثيره ولكنها نفضت تجيبه بسعادة التمعت في عينيها :
- ماعرفاش يا مهران ، كان بيضحك دلوك وفجأة بكي ، يمكن چاله مغص ولا حاچة .
حاول مناغشته ولكن الصغير لم يهدأ لذا نطق يطالعها :
- ناخده على الدكتور ؟
بدت الدهشة على ملامحها وهي تشير نحوهما :
- أنا وانت ؟
قبّل وجنة صغيره وأراحه على كتفه وتفحص نظراتها نحوه ليردف ممازحًا حينما بدأ الصغير يهدأ :
- لا خلاص ، شكله اكده كان رايد حضن أبوه .
ابتسمت بهيام وربتت على ظهر صغيرها ودنت تقبله وهو يرتاح على كتف والده ثم اعتدلت تحدق بمهران وتساءلت :
- أچهزلك الوكل ؟
سألها بهدوء :
- هو عمار چه ؟
هزت رأسها بلا تجيبه :
- لاء لسة ماحدش چه ، مافيش غيري أني ونوارة وعمتك نچوى عنديها .
مط شفتيه بضيق وقلب عينيه يردف :
- جولتيلي عمتي ، تمام .
ابتسمت عليه متلهفة لحالته هذه دومًا ونطقت :
- وطي صوتك لتسمعك وتعملها موال .
نطق بلا مبالاة وهو يعاود تقبيل صغيره :
- مهو الواد كل اما يشوفها بيبكي ، ولا انتِ مش واخدة بالك ؟
أومأت تجيبه مؤكدة بضحكة أشرقت ملامحها :
- صُوح ، بس ماجدرش اتحدت إكده ، أهي بتيچي تجعد ساعة ولا اتنين وتروح .
أومأ ونطق وهو يربت على ظهر صغيره بحنان :
- أني حهرب دلوك على فوج قبل ما تخرج وتشوفني ، حطلع انام شوية مع حمزة ، ولما هما ييچوا صحيني .
أومأت له وصعد وتركها تطالع أثره بسعادة بعدما أعطاها جرعة من الاهتمام للتو ..
0 تعليق